السيد محمد حسين الطهراني

55

معرفة المعاد

فَكَأنَّما اطَّلَعُوا غُيُوبَ أهْلِ الْبَرْزَخِ في طُولِ الإقَامَةِ فِيهِ ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهمِ عِدَاتِهَا ، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لأهْلِ الدُّنْيَا ، حتّى كَأنهُمْ يَرَوْنَ مَا لا يَرَى النَّاسُ ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ . فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ في مَقَاوِمِهِمُ الْمَحُمودَةِ ، وَمَجَالِسِهُمْ الْمَشُهودَةِ ، وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أعْمَالِهِمْ ، وَفَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ عَنْ كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ أمروا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا ، أوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيها . وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ ، فَضَعُفُوا عَنِ الاسْتِقْلَالِ بِهَا ، فَنَشَجُوا نَشِيَجاً وَتَجَاوَبُوا نَحِيبَاً . يَعُجُّونَ إلى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَام نَدَمٍ وَاعْتِرافٍ ، لَرَأيْتَ أعْلَامَ هُدَى ، وَمَصَابِيحَ دُجَى ، قَدْ حَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَئِكَةُ ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَاعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ في مَقَامٍ اطَّلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فيه فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ . يَتَسَنَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ ، رَهَائِنُ فَاقَةٍ إلى فَضْلِهِ ، وَاسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ ، جَرَحَ طُولُ الأسَى قُلُوبَهُمْ ، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ . لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إلى اللهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ ، يَسْألُونَ مَنْ لَا تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ وَلَا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُون . فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ ، فَإنَّ غَيْرَهَا مِنَ الأنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ . « 1 » والحقّ إنّ كلام أمير المؤمنين عليه السلام هذا في حالات أولياء الله هو كتاب حكمة يحتاج بيانه إلى كتاب مبسوط ، كما يتّضح جليّاً من التأمّل في فقراته ، كيف إنّ أولياء الله يتوجّهون إلى الجنّة مباشرة بلا حساب

--> ( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » ، طبعة محمد عبده مصر ، المجلّد الأوّل ص 446 - 448 ؛ و « شرح النهج » للملّا فتح الله الكاشيّ ، ص 361 - 363 ، الخطبة 250 .